مقالات

كيف نجحت إيران في تجاوز العقوبات الأمريكية بإخراج رجل "ميّت" من السجن؟

كيف نجحت إيران في تجاوز العقوبات الأمريكية بإخراج رجل "ميّت" من السجن؟
[IMAGE_REF: 0002] © Ba7ath Investigation Lab

زنجاني رجل الغسيل الإيراني

كيف نجحت إيران في تجاوز العقوبات الأمريكية بإخراج رجل "ميّت" من السجن؟

الكاتب: معز الباي

لم تكن إيران حديثة عهد بالحصار المالي، والعقوبات الأمريكية. إذ تعود تجربتها مع هذا الباب من أسلحة الحرب الأمريكية إلى نوفمبر 1979، بعد أن اقتحم طلبة إيرانيّون السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا دبلوماسيين رهائن، حيث وقّع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الأمر التنفيذي 12170 الذي أعلن “حالة طوارئ وطنية” وجمّد حوالي 8.1 مليار دولار من الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة وفرض حظرا على التجارة.

وقع رفع هذه العقوبات في جانفي 1981 في إطار ما عرف بـ“اتفاقات الجزائر” التي أنهت أزمة الرهائن، لكنها كانت سابقة لتأسيس منطق استخدام العقوبات الاقتصادية ضد إيران. وهو السلاح الذي لم تتردّد الولايات المتحدة في إعادة استخدامه منذ أواخر الثمانينيات، حيث فُرضت عقوبات جديدة ربطتها واشنطن بدعم طهران لتنظيمات تعتبرها “إرهابية” (مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي) وبالهجمات على السفن في الخليج.

في 1995–1996، وسّع بيل كلينتون العقوبات إلى حظر شامل على التجارة والاستثمار الأمريكي في قطاع النفط والغاز الإيراني، ثم أقرّ “قانون العقوبات على إيران وليبيا” لاستهداف شركات أجنبية تستثمر في الطاقة الإيرانية.

ومن 2006 فصاعداً، تراكمت عقوبات أمريكية ودولية مرتبطة بـ“البرنامج النووي الإيراني”، استهدفت البنك المركزي وقطاع الطاقة والشحن، مع توسيع قائمة الكيانات المرتبطة بالحرس الثوري.

وبعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي (JCPOA) في 2018، أعيد فرض عقوبات واسعة في إطار ما سمّي حينها “أقصى الضغط”، ركّزت على صادرات النفط، البنوك وشبكات “الظل المصرفي” والحرس الثوري والتنظيمات المسلّحة الحليفة.

وأضيفت في السنوات الأخيرة طبقات عقوبات على خلفية “انتهاكات حقوق الإنسان” (قمع الاحتجاجات، الإعدامات، استهداف المعارضين في الخارج)، مثل حزمة سبتمبر 2024 التي استهدفت 12 مسؤولاً أمنياً وقضائياً.

قرابة نصف قرن من الحصار الاقتصادي، تعلّمت فيه إيران كيف تفلت من شبكات الحصار الاقتصادي، وكيف تطوّر منظومات تمويل شبحيّة معتمدة وسطاء الظلّ وتقنيات غسيل الأموال.

ويمكن القول اليوم، استنادا إلى تقارير عدة من مصادر رسميّة، مدعومة بمصادر استخبارات مفتوحة، أنّ أحد ركائز هذه المنظومة، رجل أخرجته إيران من خلف القضبان، أين كان سيقضي 20 سنة، وقبلها أخرجت رقبته من حبل الإعدام، ليصبح غاسل أموالها المبجّل، ويبني لها مغسلة عصريّة عالية الجدوى، مستندة على تقنيات البلوكشين، والعملات المشفّرة.

الطريف في الأمر، أنّ دولا تعتبر إيران عدوّتها الكبرى، مثل بريطانيا والإمارات العربية، كانت محطّات مركزيّة لهذه المغسلة.

كيف ذلك؟ ومن هو محور مغسلة الأموال الإيرانية؟ ما قصّته؟ سنكتشف ذلك في هذا المقال المطوّل المدعوم بالمصادر.

رجل الظلّ الذي خرج من الظلّ

في 17 أفريل 2025، أعلنت شركة وان القابضة عن إبرام صفقة مع سكك حديد الجمهورية الإسلامية بقيمة تتجاوز 745 مليون دولار أمريكي، لتوريد عربات ركّاب ذاتيّة الدفع وقاطرات ديزل و عربات صهاريج.

هذا الإعلان كان يمكن أن يمرّ بشكل عاديّ، لولا أن الشركة مرتبطة برجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني، ما أثار حالة غضب في صفوف عدد كبير من الإيرانيّين.

زنجاني الذي حكم عليه بالإعدام، ثمّ خفّف الحكم إلى المؤبّد (20 سنة سجنا) بتهمة فساد جسيم في قطاع النفط، خرج من سجنه، بل واستعاد ثقة الدولة من جديد، بعد أن كان لفترة طويلة وسيط الظلّ لديها في صفقات وعقود النفط، الذي ساعدها على كسر الحصار المضروب حول اقتصادها وصادراتها، قبل أن يستولي على حصّة هامّة من الأموال.

من سمسار إلى “أوليغارشي” النظام

ولد الملياردير بابك زنجاني في 12 مارس 1974 في طهران، ويحمل الجنسيّتين الإيرانية والإماراتيّة. ويُعرَّف في قواعد بيانات العقوبات كشخص إيرانيّ، رجل أعمال يعمل في قطاعات الضيافة والنقل والخدمات المالية وتجارة النفط.

عُرف كمدير لمجموعة Sorinet Group مقرّها الإمارات، والتي قُدّمت كواحدة من أكبر المجموعات المرتبطة بإيران في مجالات الطيران والفنادق والتجارة، واستخدمت كهيكل خارجي لتحويل أموال النفط الإيراني بعيداً عن النظام المصرفي الرسمي.

في 2013 صنّفته OFAC على لائحة SDN (Specially Designated Nationals and Blocked Persons List) وهي لائحة العقوبات الأخطر التي يديرها المكتب، بموجب الأمر التنفيذي 13382، بسبب دوره في “مساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات عبر نقل مليارات الدولارات وتوجيه أموال إلى كيانات مرتبطة بالحرس الثوري”، ما جمّد أصوله الأميركية ومنع التعامل معه من جانب الأميركيين.

في ردّه على المزاعم الأمريكية، صرّح زنجاني لوكالة روتيرز: "أنا شخص إيراني، وبالضرورة سأتعامل مع الشركات الإيرانيّة، لكنني بدون شكّ لا علاقة لي إطلاقا بالحكومة الإيرانيّة".

ادّعاء لن يمضي وقت كثير حتّى تفنّده الدولة الإيرانيّة نفسها.

فضيحة النفط ومحاكمة القرن

ففي ديسمبر من نفس السنة، أوقفته السلطات الإيرانية بعد حملة برلمانية اتهمته بـ“الفساد” وسوء إدارة أموال النفط التي كان يبيعها نيابة عن الدولة خلال فترة العقوبات، بالتزامن مع تعهّد الرئيس حسن روحاني بمكافحة الفساد.

وزارة النفط الإيرانية قالت إن زنجاني “استولى بطريقة احتيالية على 2.8 مليار دولار من مبيعات النفط التابعة لشركة النفط الوطنية الإيرانية ولم يُعِدْها”، وهي التهمة المحورية في القضية.

خلال المحاكمة، اعترف زنجاني أنه كان يعمل تحت الإشراف الكلي لأحمدي نجاد.

وفي مارس 2016 أصدرت المحكمة حكماً بإعدامه، مع إلزامه بإرجاع الأموال للدولة، وجرى تقديم القضية كأكبر ملف فساد في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

ووفق وزارة الخزانة الأميركية، حُكم على زنجاني بالإعدام في 2016، لكن الحكم خُفّف لاحقاً، ثم “تم الإفراج عنه من السجن من أجل غسل الأموال لصالح النظام”.

ويضيف بيان OFAC أن “حكمه خُفِّض في 2024، وفي أبريل 2025 لعب دور المموّل لمشروع من أكبر مشاريع السكك الحديدية في تاريخ إيران”، ما يعني أنه أعيد إدماجه في مشاريع استراتيجية داخلية بعد تسوية جزئية لقضية الأموال.

مصادر قواعد بيانات العقوبات المفتوحة مثل OpenSanctions تؤكد التسلسل نفسه: إدانة 2016، ثم تعديل الحكم، ثم عودة إلى الساحة الاقتصادية بصفة “مستثمر” في مشاريع مدعومة من الدولة.

رجل المغاسل المفيد

لسائل أن يسأل، ماذا دفع بالنظام الإيراني إلى الإفراج عن زنجاني، والسماح له بعقد صفقة مع الحكومة بمئات الملايين من الدولارت؟

حين يكون لديك وسيط ظلّ ذو خبرة واسعة في غسيل الأموال، فأنت لا تتركه طعاما للديدان بإعدامه، أو لرطوبة السجون. هو لا شكّ ورقة جوكر يجب الحفاظ عليها بعناية واستعادتها بعد تطويعها، والاستفادة من خبرتها. هذا ما حصل مع زنداني.

تشير تقارير Bloomberg وFinancial Times، كما حلّلتها Chainalysis، إلى أن الحرس الثوري بدأ يفرض رسوماً على عبور ناقلات النفط في مضيق هرمز تُقدَّر عادةً بنحو دولار واحد لكل برميل، ما يعني حوالى مليوني دولار لناقلة فائقة الحمولة تحمل مليوني برميل.

تُدفَع هذه الرسوم، وفق التقارير، إما باليوان الصيني أو بالعملات المستقرة (stablecoins) عبر وسيط مرتبط بالحرس الثوري، مقابل الحصول على “كود مرور” يُبث لاحقاً عبر موجات VHF عند نقطة التفتيش بين قشم ولارك. لترافق بعدها وحدات بحرية تابعة للحرس السفينة عبر الممر الملغوم.

وقد جاء هذا الترتيب في سياق ما تسميه طهران “خطة الإدارة الذكية لمضيق هرمز” التي ناقشها البرلمان الإيراني في مارس 2026، وإن كانت النصوص الرسمية المنشورة تشير إلى تحصيل الرسوم بالريال المحلي ولا تذكر البيتكوين صراحة، تاركة مساحة للتفسير حول المزج بين المدفوعات المحلية والدفعات بالكريبتو واليوان.

العملات المشفّرة، ثغرة في جدار الحصار

تفيد تقديرات TRM Labs (مختبر خاصّ مختص في مراقبة العملات المشفّرة ومكافحة غسيل الأموال) أن حجم معاملات الكريبتو المرتبطة بإيران (رسمي + غير رسمي) هو في حدود 8–10 مليارات دولار في سنة 2025 مقابل 11.4 مليار دولار سنة 2024، مع تزايد مستمر منذ 2023. فيما ترى Chainalysis (شركة أمريكية مختصّة في تحليل البلوكشين) أن المحافظ المرتبطة بإيران تلقّت مبلغا قياسيا بـ7.8 مليار دولار سنة 2025، مقابل 7.4 مليار دولار سنة 2024 و3.17 مليار دولار سنة 2023.

وتقدّر Chainalysis أن 50% من العائدات الإيرانية مرتبطة بالحرس الثوري (IRGC) سنة 2025. على عكس TRM Labs التي ترى أن 95% من النقديّات المشفّرة المرتبطة بإيران متأتّية من مستثمرين خواصّ، وتؤكّد أنها تعرّفت على أكثر من 5000 عنوان محفظة مشفّرة، وصفتها بأنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، مقدّرة حجم معاملاتها بحوالي 3 مليارات دولار من العملات المشفّرة خلال سنة 2023.

وتقول الشركة البريطانية المختصّة في البلوكشين Elliptic أن البنك المركزي الإيراني، المشمول بدوره بالعقوبات الأمريكية والدوليّة، اقتنى ما لا يقل عن 507 مليون دولار ستابل-كوين USDT سنة 2025.

لكنّ تقريرا حصريّا لرويترز، يكشف، استنادا لخبراء، أنّ المواطنين الإيرانيين يعرفون إقبالا شديدا على العملات المشفّرة بسبب تدهور قيمة الريال الإيراني، وأن نشاط الكريبتو يرتفع في فترات التوتر والاحتجاجات وعدم الاستقرار.

ويوضح التقرير أن تدفقات الأموال شهدت ارتفاعا شديدا في نسقها بعد ارتفاع التوتر في المنطقة، وأن النشاط على منصات مثل Nobitex قفز بالتوازي مع التصعيد، وأن حجم المعاملات الكلي للكريبتو في إيران قُدّر بين 8 و11 مليار دولار في 2025.

فيما ربطت وزارة الخزانة الأميركية أكثر من 100 مليون دولار من الكريبتو بشبكات تمويل مبيعات النفط الإيراني في سبتمبر 2025، ما يُظهر أن الكريبتو أصبح جزءاً ثابتاً من اقتصاد العقوبات الإيرانية.

لكن الثابت أنّ الحكومة الإيرانيّة، والحرس الثوري المسجّل على قائمة العقوبات الدولية، لجآ إلى خدمات الكريبتو، والعملات المشفّرة المستقرّة أو التعامل باليوان الصيني خاصّة في عمليّات بيع النفط الإيراني.

وإلى جانب عائدات النفط التي تعتمد إيران في تصديرها وبيعها على أسطول الظلّ ووسطاء موثوقين، فإنها تفرض رسوما على عبور البواخر والناقلات عبر مضيق هرمز، تشترط أن يتمّ الدفع فيها باليوان أو الكريبتو.

فوفق تحقيقات وزارة الخزانة الأميركية ولجنة الكونغرس الخاصة بالصين، تعتمد طهران على “أسطول ظلّ” من الناقلات وشبكات وسطاء وشركات واجهة لبيع نفطها إلى زبائن مثل الصين خارج القنوات الرسمية.

وتُظهِر تحليلات Chainalysis وTRM Labs، استناداً إلى تقارير Bloomberg وFinancial Times، أن الحرس الثوري بدأ يفرض رسوماً على عبور ناقلات النفط في مضيق هرمز تُدفَع باليوان الصيني أو بالعملات المستقرة (stablecoins) عبر وسيط مرتبط به، في ما يشكّل توظيفاً مباشراً للكريبتو في بنية إيرادات النفط.

الجوكر يخرج من كمّ الفقيه

إلى هنا، يتساءل القارئ، أيّ دور لرجل الأعمال الملياردير سارق أموال النفط، ووسيط السوق السوداء للذهب الأسود، وأيّ علاقة له بالعملات المشفّرة. ولماذا عفا عنه النظام الإيراني هذه المرّة؟

حسب وزارة الخزينة الأمريكية، فإن الحكم المؤبّد على زاداني وقع تخفيفه سنة 2024، قبل أن يخلى سبيله في 2025، ويعقد صفقة عملاقة مع الدولة الإيرانية.

وفي مطلع سنة 2026، صنّّفت OFAC بابك مرتضى زنجاني والشركات المرتبطة به: Zedcex Exchange Ltd وZedxion Exchange Ltd، ضمن حزمة عقوبات تستهدف “تشغيل منصات أصول رقمية في القطاع المالي لصالح الحرس الثوري الإيراني".

ويوضح بيان الخزانة بان Zedcex وZedxion digital asset exchanges يمارسان نشاطاً في القطاع المالي الإيراني وقدّمتا دعماً مادياً/تقنياً للحرس الثوري الإيراني.

ووفق TRM Labs، عالجت Zedcex وZedxion معاً قرابة مليار دولار من التدفقات المرتبطة بالحرس الثوري منذ 2023، تمثل نحو 56٪ من إجمالي حجم معاملاتهما (87٪ في 2024)، وحددت OFAC سبع محافظ كريبتو رئيسية على شبكة TRON وEthereum مرتبطة بهذه الشبكة. وتشير TRM إلى أن أكثر من 10 ملايين دولار من USDT حُوّلت من بنية Zedcex المرتبطة بالحرس الثوري إلى عناوين يمول من خلالها الممول الحوثي المدرج سعيد الجمال في أواخر 2024.

وتعتبر TRM Labs إدراج زنجاني والشركتين معاً “تصعيداً هاماً” لأنه يربط مموّلاً تقليدياً لتهريب النفط بالبنية التحتية الكريبتوية التي تحرّك أموال إيران ووكلائها.

وتصف Chainalysis المنصتين كجزء من شبكة تسهّل “غسيل الأموال والالتفاف على العقوبات لصالح مصالح الدولة الإيرانية، خصوصاً الحرس الثوري”.

وتربط كلّ من TRM Labs وElliptic بين بابك زنجاني والشركتين. وكان تحقيق لـ"مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة وغسيل الأموال OCCRP" قد كشف هذا الارتباط، وأن زاداني هو الشخص الذي يقف وراء الشركتين الواجهتين استنادا إلى سجلات الشركات في بريطانيا.

رجل الكريبتو

انتقل زنجاني من ممول لعقود نفطية كلاسيكي إلى واجهة بشرية لشبكة منصات كريبتو (Zedxion أولاً، ثم Zedcex) تستقبل وترسل أموالاً لمحافظ مرتبطة بالحرس الثوري، بأحجام تصل لعشرات المليارات من الدولارات كحجم معاملات إجمالي. وقد توطّد دوره خلال العقوبات الأخيرة كـ“منسّق” بين المال النفطي التقليدي والبنية التحتية الكريبتوية، لا كفاعل منفرد، إنما ضمن منظومة أوسع من المسؤولين والوسطاء المرتبطين بالحرس.

فوفق بيان الخزانة الأمريكية وقراءة TRM Labs وChainalysis، فإن دور زنجاني لم يعد فقط بيع النفط خارج القنوات الرسمية، بل أصبح أيضاً مالكاً/مديراً/راعياً لبنية تحتية كريبتوية (Zedxion ثم Zedcex) تستقبل أموالاً من وإلى محافظ مرتبطة بالحرس الثوري. إضافة لكونه مموّلاً لمشاريع استراتيجية داخلية (كمشروع السكك الحديدية) تموَّل بأموال تُعدها الولايات المتحدة جزءاً من منظومة الالتفاف على العقوبات.

كما أنّ شبكة علاقاته، وحسن معرفته بالسوق السوداء للنفط الإيراني المهرّّب جعلتا منه الجوكر الذي لا غنى عنه في زمن الحرب التي عصبها المال، وشريانها مضيق هرمز.

وتكشف قائمة العقوبات (Sanctions Checklist) عن عناوين لزنجاني في إيران والإمارات، ما يعكس استمرار علاقاته بالبنية التجارية في الخليج حتى بعد قضيته داخل إيران.

في ذروة نشاطه قبل اعتقاله عام 2013، كان بابك زنجاني يدير تكتّل Sorinet Group، وهو شبكة تضم نحو 65 شركة موزعة بين إيران وماليزيا والإمارات وتركيا وطاجيكستان، كما توثّق ذلك تقارير Kharon وEA WorldView.

ويوضح تحليل Kharon أن زنجاني أسّس في العقد الأول من الألفية مجموعة Sorinet، وأن “الغرب اتهمه لاحقاً باستخدام هذه المجموعة لتسهيل مبيعات النفط لصالح الحكومة الإيرانية”. فقد صنّفته وزارة الخزانة الأميركية (بيان 10 أفريل 2013) مع First Islamic Investment Bank FIIB في ماليزيا و”شبكة شركات واجهة دولية” كمنظومة تهدف إلى الالتفاف على العقوبات، عبر استخدام البنك الماليزي وشركاته لنقل أموال مبيعات النفط الإيرانية خارج القنوات النظامية.

وقد استخدم هذا التكتّل، بما في ذلك شركات تجارة في الإمارات وتركيا، كقنوات واجهة لتسويق النفط الإيراني وتلقي مدفوعاته خارج النظام المصرفي الخاضع للعقوبات، قبل إعادة جزء من الأموال إلى البنك المركزي ووزارة النفط، والاحتفاظ بجزء آخر. وهو ما أكدته وزارة الخزانة الأميركية حين وصفته بأنه “مُيَسّر رئيسي لصفقات النفط الإيرانية” وشبكة من “الشركات الواجهة” المكلَّفة بتحويل أموال النفط لصالح الدولة.

وتنقل BBC عن زنجاني نفسه أنه “استخدم شبكة من الشركات في الإمارات وتركيا وماليزيا لبيع ملايين براميل النفط الإيراني بالنيابة عن الحكومة منذ 2010”، قبل أن يُتهم بحجز مليارات الدولارات من العائدات في هذه الشبكات بدلاً من إعادتها إلى وزارة النفط.

مغسلة النفط المحجور

لكن كيف كانت تعمل تلك المغسلة؟

استُخدم بنك FIIB الماليزي كـ“بنك خاص” لزنجاني، لنقل عائدات النفط التي لا يمكن تمريرها عبر النظام المصرفي العالمي. فيما كانت شركات تجارة في الإمارات وتركيا ضمن مجمّع Sorinet تُقدَّم كـ«مشتري» أو وسيط للنفط الإيراني، فتتلقى المدفوعات تحت غطاء صفقات تجارية، ثم تُحوَّل الأموال إلى حسابات يسيطر عليها زنجاني في ماليزيا، ومنها – بعد خصم عمولته – تُعاد لأطراف رسمية في إيران (البنك المركزي، وزارة النفط).

ويضيف تقرير لـNewsweek وآخر لرويترز أن زنجاني استغلّ أيضاً شراء بنك صغير في طاجيكستان، وأن الأموال كانت تنتقل من آسيا عبر ماليزيا إلى طاجيكستان ثم إلى تركيا حيث تُحوَّل إلى ذهب يُهرَّب إلى إيران عبر دبي، في عملية كلاسيكية لغسل العائدات النفطية خارج الرقابة.

بعض التقارير وصفت زنجاني بكونه “البسيج الاقتصادي”، أي أنه يؤدي دور الذراع الاقتصادية الميدانية للحرس الثوري والدوائر النافذة، مستفيداً من علاقاته الشخصية مع مسؤولي الحرس الثوري وكبار المسؤولين.

الإنتقال من مغسلة تناظريّة إلى أخرى رقميّة

كانت منظومة غسيل الأموال التي أحاطت ببابك زنجاني بنية شبكية متدرّجة، تمتد عبر عشرات الشركات والبنوك في العديد من الدول، وتقوم على الفصل بين أطراف التعاقد وحلقات الدفع بحيث يُخفى مصدر عائدات النفط الإيراني خلف طبقات من شركات واجهة وحسابات وسيطة.

هذه الشبكة اعتمدت على أدوات “كلاسيكية” للهندسة المالية: عقود بيع وهمية، بنوك متساهلة أو متواطئة مثل First Islamic Investment Bank في ماليزيا، تحويل العائدات إلى عملات مختلفة، ثم شراء الذهب أو الأصول ونقلها إلى إيران عبر دبي كقيمة نظيفة يصعب ربطها بالبيع الأصلي للنفط.

ورغم أن عدد الكيانات المتورطة كبير، فإن الخيط الناظم كان شخصاً واحداً تقريباً: بابك زنجاني، الذي وصفته الخزانة الأميركية بـ“الميسّر الرئيس لصفقات النفط الإيرانية” وربطت به شبكة Sorinet العابرة للحدود. هذا التركّز الشخصي في إدارة شبكة بهذا الحجم يكشف عن خبرة زنجاني التقنية والعملية بالثغرات التنظيمية العابرة للولايات القضائية، وقدرته على حياكة طبقات من الشركات والحسابات والواجهات البشرية تخدم هدفاً واحداً هو إعادة تدوير عائدات النفط تحت غطاء قانوني ظاهري.

والمفارقة أن محاكمته العلنية داخل إيران، وما رافقها من كشف لأرقام الديون ومسارات الأموال، ساعدت على لفت انتباه واشنطن إلى حجم الشبكة ودوره فيها، إذ جاء إدراجه على لائحة العقوبات الأميركية في 2013 بعد أشهر قليلة من تفجير قضيته في الداخل، ما جعله في نظر كثيرين “جوكر” مهمّا يصعب على النظام التخلّي عنه بالكامل.

اليوم، مع ربطه بمنصتي Zedxion وZedcex الخاضعتين للعقوبات، يبدو أن زنجاني تحوّل من مهندس لمغاسل أموال “تناظرية” (شركات واجهة، بنوك ظلّ، ذهب مُهرّب) إلى لاعب في بنية رقمية أكثر حداثة تعتمد على البلوكتشين.

فبدلاً من الاكتفاء بعقود تجارة وهمية وحسابات مصرفية متسلسلة، تتحرك الأموال عبر محافظ كريبتو متعددة، وتُستَخدم عملات مستقرة مثل USDT على شبكة TRON كبديل عن الدولارات المقيّدة بالعقوبات، مع اللجوء إلى تقنيات التمويه على السلسلة (تجزئة المدفوعات، تعدد المحافظ، التحويل بين شبكات) لتقليل قابلية التتبّع.

في هذا المعنى، يمثل زنجاني حلقة وصل بين جيلين من آليات غسل الأموال الإيرانية: من مرحلة شركات Sorinet والبنوك المتعاونة إلى مرحلة منصات الكريبتو والـstablecoins التي تشكل اليوم العمود الفقري لـ“المغسلة الرقمية” المرتبطة بالحرس الثوري.

حتّى أن الخزانة الأمريكية اعتمدت في وصفه على صياغة غير معتادة في بياناتها، وهي تتحدّث عنه، إذ جاء في بلاغها الصادر في 29 جانفي 2026 إنه “أُفرج عنه من السجن لغسل الأموال لصالح النظام”، “Freed from imprisonment in order to launder money for the regime, ZANJANI has provided financial backing for major projects that support the Islamic Revolutionary Guard Corps (IRGC) and the Iranian regime more broadly.” إذ تربط بشكل مباشر سبب الإفراج بوظيفة محددة (غسل الأموال لصالح النظام)، وليست مجرد إشارة عامة إلى أنه خرج ثم واصل نشاطه. وتُظهر قناعة واشنطن بأنه عاد ليعمل تحت رعاية رسمية أو شبه رسمية، لا كفاعل مستقل.

ويبقى السؤال، هل أنّ طهران أخلت سبيله لأنها تحتاجه فعلا في غسل أموالها، أم هي مناورة ضحّت فيها ببيدق مكشوف، سوّقته على أنه جوكر، لتلفت الأنظار بعيدا عن لاعبيها الحقيقيّين؟

🏛️ Sources Officielles et Sanctions (OFAC & Gouvernements)

🛡️ Rapports de Sécurité Blockchain & OSINT (Crypto-Evasion)

📰 Presse Internationale et Investigations

📈 Plateformes d'Échange et Archives

بابك زنجاني أمام المحكمة BBC / EPA: Babak Zanjani Nov. 2016